فن الإلقاء عند الأطفال

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

Mahmood Rahma

فن الإلقاء عند الأطفال

 إن تعلّم فن الإلقاء جزء لايُستهان به من العملية التربوية التي يطمح إليها المربّون، وهو ليس بديلاً عن المناهج والدروس، بل مكملاً لها ، ونحن نربّي أبناءنا لزمن غير زماننا .. وهذا يعني أن نوفّر لهم ماحُرمنا منه في طفولتنا، ولكن ، ما الإلقاء ؟

يعنى هذا الفن بضروب الكلام، ورفع الصوت أو خفضه، وانتقاء أنسب الكلمات، وأرقى العبارات، للتأثير في السامعين، وهو أيضاً يهتم بسلامة العبارة، والذوق في انتقاء الألفاظ واتزان الصوت اتزاناً ترتاح إليه آذان المُصغين، فيأتي الإقناع عن طريق العقل لا عن طريق الانفعالات النفسية..‏

إن الأطفال مغرمون بكثير من الأصوات، والإلقاء فنَّ متميز يحقق ذلك، ويُثري لغتهم، ولاتزال وسائل الاتصال تتوسل إلى الأطفال بالصوت الإنساني، وحين نشير إلى قوة الصوت وأثره نعيد إلى الأذهان خطب الساحات العامة باعتبارها من المواد المنطوقة التي اعتمدت الصوت في التأثير، وفي حياة الإنسان، حيث استخدمت الأصوات ببراعة، كما نعيد إلى الأذهان أسواق العرب في عكاظ والمربد وغيرها..‏

كان الشاعر العربي يسعى إلى سوق عكاظ، وقد كانت هذه السوق ملكة الأسواق، قرب مكة، تُقام من أول ذي القعدة إلى العشرين منه، يجتمع إليه الأشراف والزعماء للمتاجرة والمنافرة ومفاداة الأسرى والتحكيم في الخصومات وأداء الحج..‏

ويبدأ الكلام بلغة يفهمها الجميع، ويتوخّى الشاعر ـ الخطيب ـ الألفاظ العامة، والأساليب العالية في لغة مثالية موحدة ، تروق كل سامع، ولاينفر منها أو يستغربها أحد، ويظل الشاعر ـ الخطيب حديث السّامرين والمجتمعين في كل ناد، وماكان أبلغ من منطوقه المشرق في توحيد اللسان، وتعميم اللغة المثالية، وتغليب البيان ونهوض الإبداع…‏

وهذه صورة قديمة للملتقيات الثقافية، عمرها أكثر من ألف وخمسمئة عام، ولكنها تجددت بعد ذلك في منتصف القرن التاسع عشر، حين سرى الدم في العروق، وانفتحت العيون على الظلم وشعر كل بما له من حقوق، وماعليه من واجبات نحو المجتمع العربي والوطن، فاتسع مجال الخطابة للخطباء، وارتقى فن الإلقاء في الأندية السياسية والاجتماعية، والجمعيات العلمية والأدبية، ووثب هذا الفن وثبة عظيمة نحو الكمال في شتى الموضوعات واحتفى المبدعون بالمنابر لأنها أشد وقعاً في نفوس الجماهير، واعتمد الأسلوب آنذاك على التصوير اللغوي السريع، وكثر التكرار وكلّ مايثير العاطفة والوجدان..‏

ـ الهدف اللغوي :‏

يعتاد الأطفال من خلال الإلقاء النطق الصحيح، وحُسن الأداء، وإبراز مخارج الحروف، والنبرة الملائمة للمعنى، وهو يُكسبهم زاداً لغوياً يحصلون عليه من غير أن يشعروا بجهد مبذول، ذلك أن الإلقاء يرسخ هذه المفردات في أذهان الأطفال، كما أنه يُنمي أذواقهم اللغوية والأدبية، ويمدهم بالأساليب المهذبة، والعبارات الأدبية، الجميلة، والتراكيب اللغوية، والصّور الشعرية، مما يرفع مستوى لغتهم..‏

وحروف الهجاء هي أصوات مختلفة، تؤديها الحنجرة والفم واللسان، والأسنان والشفتان والأنف، والطفل المُلقي يستفيد من هذه الأصوات، والمربّي يلاحظ مقدرة الطفل على الإلقاء وإطالة التنفس، واختيار الجُمل القصيرة، والأوزان المجزوءة، والإيقاع السريع مع حاجة الأطفال إلى المرح واللهو..‏

إن الذين نعلمهم اللغة العربية من أبنائنا الأطفال، صغار، لذلك فالمربون يقدمون لهم أبسط المفردات، وأسهل الجمل، وأوضح الأفكار، وذلك واضح في كتب القراءة المؤلفة لهم.‏

و الأطفال العرب حين نعلمهم لغتهم، إنما نعلمهم أوليات معارفهم (الطفل يبدأ بمقارنة الحروف ومخارجها، والمفردات ونطقها، والتراكيب وطبيعتها).‏

نبدأ ، حين نعلم الأطفال لغتهم، بتعليمهم الحروف نطقاً وكتابة، ثم ننتقل بهم إلى تعلم الكلمات التي تتشكل من تلك الحروف، ثم إلى تلك الجُمل التي تتألف من تلك الكلمات..‏

ونتابع تعليمنا للأطفال حتى يكبروا ، فنضع لهم الأسس الصحيحة المتدرجة، نسعى ليكون تعلمهم للغة شاملاً لجميع جوانبها نطقاً وقراءة وفهماً ، فلا نقبل لأحدهم أن يجيد الكتابة، إذا أجادها، دون إجادة النطق الصحيح، والتلفظ الواضح، ولانكتفي منه بحسن النطق وجودة الأداء دون إتقان الكتابة وسلامة الفهم ، وهذه مسألة أساسية في فن الإلقاء..‏

ونسعى لنصل بالأطفال إلى المستوى الكافي الذي يتمكنون فيه من استعمال لغتهم وفهمها مسموعة ومكتوبة.‏

ـ الهدف التربوي :‏

الإلقاء الملقن يحفز الأطفال على النشاط لأن أسلوبه المناسب، وإيقاعه المنسجم يدفع الملل عن نفوسهم، إضافة إلى أنه ينمي قدرتهم السمعية، وينهض بأذواقهم الفنية، ويوجه مواهبهم وجهة سليمة، ويرغّبهم في المدرسة، ويشوّقهم إليها، ويحببهم بها، ويشعرهم بأهمية العمل الجماعي، والنظام والانضباط، تبعاً لتقيد كل طفل بالزمن المخصص له للإلقاء، وحرية الحركة أمام الجمهور، كما يعوّدهم الجرأة في القول ، والإقدام على العمل، ويبث فيهم روح المرح والحركة، ويحدد نشاطهم ويحفزهم على التعلم.‏

ـ الهدف الخلقي والاجتماعي :‏

الإلقاء أمام الجمهور، وإصغاء الجمهور للطفل وهو يقدّم ماعنده من شعر محفوظ أو نثر بديع، يغرس فيه المثل العليا، ويستهويه ذلك فيثير فيه عواطفه السامية، وتغريه هذه العواطف بتمثلها (الصدق، الأمانة ، الفضيلة)، وبخاصة إذا أحسن المربي اختيار النصوص التي يجب أن تلقى، فالكلمات الجيدة، والأناشيد التي تتصل بنشاط الأطفال، وأعمالهم في المدرسة وخارجها، والأناشيد العاطفية التي تبث فيهم محبة الوطن، والأهل، والأبوين، والإخوة، والأصدقاء، والقصائد التي تدور حول ما ألف الأطفال من حيوان ونبات، والكلمات الفكاهية التي تثير المرح في نفوسهم ، ذلك كله مما يدفع الأطفال إلى التعلق بالإلقاء ، والإقدام عليه دون قسر أو إكراه.‏

ـ أساليب تعليم الإلقاء :‏

يمكن أن نعرض على جمهور الأطفال أو المتفوقين منهم، شريطاً تسجيلياً ( على الفيديو مثلاً) عن إلقاء الكبار المتميزين لمحاكاة تجربتهم، وهي ضرورية، تشكل جانباً هاماً من عملية الارتقاء بفن الإلقاء عند الأطفال.‏

والتدريب على الإلقاء تدريب على شيء واقعي من أجل الاستفادة في تكملة معرفة الطفل بالإلقاء وأصوله ليستطيع الطفل التأثير بالمستمعين ومخاطبة شعورهم، وإثارة حماسهم للكلام المُلقى عليهم.‏

وللإذاعة دورها في تحقيق الارتقاء بهذا الفن، إذ لابد من الاستعانة بعدد كبير من الأطفال الموهوبين الذين يحسنون الحديث، وإلقاء الكلمات أو رواية القصص أو مخاطبة الأطفال والتوجه إليهم، وليس هناك أوقع في النفس من سماع الأطفال لطفل يخاطبهم عبر الأثير.‏

إن برامج الأطفال الإذاعية تتناول موضوعات قريبة من جمهور الأطفال ومن مقرراتهم المدرسية، وربما تنطلق منطلقاً جديداً حيث توفر للأطفال مضموناً ثقافياً ومتعة في الوقت نفسه، فالإذاعة تستعين بالصوت ، أي أنها تعتمد على حاسة السمع، ومخرجو برامج الأطفال يتفننون في بعث قوة الصوت في الكلمات والموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية والحوار، مما يتيح للطفل أن يتخيل وأن يتذكر وأن يفكر وأن يحاور وأن يقلّد من خلال هذه الأصوات.‏

والبرنامج الإذاعي الجيد هو الذي ينقل الأطفال إلى أجوائه ليعيشوا معها، وهذا لايتحقق إلا بالعمل على إثارة تفكيرهم ودغدغة خيالاتهم.‏

وللتلفاز قدرات كبيرة تجعله في مقدمة الوسائل التي نحن بصددها، لأن قدرة التلفاز على تجسيد المضمون الثقافي عالية جداً، بفضل إمكاناته في الاستعانة بكل العناصر السمعية والبصرية.‏

وبوسع التلفاز التركيز على التفاصيل ممّا يزيد في قدرته على الإقناع وتعليم الإلقاء بشكل جيد والصورة تزيد من قدرة الصوت، والصوت يزيد من قدرة الصورة ، ويمكن أن نوصي بمايلي من أجل إنجاح تعليم الإلقاء :‏

1ـ أن يكون التوجه إلى الإلقاء عفوياً، غير قسري، ولايشمل التنظيم سوى الجوانب العامة، وترتيب النصوص والإرشاد.‏

2ـ إشعار الطفل أن الإلقاء جزء من لعبه اليومي ، وما وجود المستمعين إلا لمشاهدة إبداعه وذكائه ومشاركته في متعته وفرحه.‏

3ـ أن لايتجاوز وقت الفعالية (النشاط) الواحدة أكثر من خمس دقائق.‏

4ـ أن يتخلل فترات الإلقاء أكثر من فقرة (موسيقى، حركات، فواصل منشّطة) وأن نبتعد عن التلقين، واستعمال الكلمات التي يستعصي فهمها على الطفل أو نطقها.‏

5ـ أن لايسبّب هذا الإلقاء إرهاقاً جسدياً أو نفسياً.‏

6ـ الابتعاد عن توبيخ الطفل أو تأنيبه في حالة إخفاقه أو تلكئه في الأداء ، وعدم المبالغة في الثناء عليه إن هو أجاد، إنما التأكيد في ثقة الطفل بنفسه وتشجيعه.‏

7ـ الإلحاح على مشاركة أغلب الأطفال في فعاليات المنابر الثقافية.‏

8ـ توزيع هذه النشاطات توزيعاً مناسباً على أيام السنة، حتى لاترهق الأطفال أو أولياء أمورهم، ولتحافظ على التواصل المستمر مع الأطفال وتراعي حيويتهم.‏

ذلك كلّه يسهم في تقدّم هذا الفن لدى الأطفال وإتقانهم له

أضف تعليقك على هذه الدورة

Media Now
إعلام
Mahmood Rahma

وضع الإعلام

أصبح الاعلام اليوم هو العامل الاساسي في تغيير اتجاه بوصلة الاحداث، والتأثير في الرأي العام، وكذلك الاعلام يعتبر العامل الاساس لنقل او توجيه اي رسالة

اقرأ المزيد »
Live to learn and learn to live
إعلام
Training Admin

عش لتتعلم وتعلم لتعيش..

يمثّل التدريب ذلك النشاط المدروس الذي يضمّ عدداً من الخطوات المنتظمة، والتي تهدف بشكل رئيسي إلى تحقيق الغايات والأهداف من خلال تنمية وتطوير الجوانب المعرفيّة،

اقرأ المزيد »
علاقات عامة / اتصال
Mahmood Rahma

الإدراك

يتوقف سلوكنا على كيفية إدراكنا وانتباهنا لما يحيط بنا من أشياء وأشخاص ونظم اجتماعية، ونحن نتعامل مع المثيرات الموجودة في البيئة كما نفهمها وندركها وليس

اقرأ المزيد »